مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
84
تفسير مقتنيات الدرر
اللَّه تعالى قد ينزل الفقر والموت والعمى والبلاء بعبده وإن لم يكن عاصيا ، إلَّا أنّه يشتمل على نوع من أنواع الصلاح ، إمّا لتخفيف العذاب أو لرفع الدرجة أو مصالح أخرى لا يعلمها إلَّا هو وإذا جاز ذلك جاز هنا . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 26 ] وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِه ِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 26 ) الخطاب للمهاجرين ، شرح لهم نعمه لأنّهم بعد ظهور أمر النبيّ صلى اللَّه عليه وآله صاروا في غاية الرفعة والقوّة وكانوا قبل في غاية القلَّة والذلَّة ، بسبب هذه النعمة يوجب عليهم الشكر وكثرة الطاعة وترك المخالفة لأنّهم في أوّل الأمر كانوا إذا خرجوا من بلدهم خافوا أن يتخطَّفهم العرب ، ثمّ قلبت تلك الأحوال بالقوّة والسعادات ، أوّلها أنّه آواهم ونقلهم من مكّة إلى المدينة فصاروا آمنين من مشركي العرب ، ثمّ نصرهم ببدر ، والثالث رزقهم من الطيّبات وهو أنّه احلّ لهم الغنائم بعد أن كانت محرّمة على من كان قبل هذه الامّة فهذه النعم الجليلة يقتضي الشكر ولا يليق بكم أن تشتغلوا بالخصومات بسبب الأنفال . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 27 إلى 28 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّه َ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 27 ) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّه َ عِنْدَه ُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 28 ) اختلفوا في المراد بتلك الخيانة ، وسبب النزول في الآية : قال عطاء : سمعت جابر بن عبد اللَّه يقول : إنّ أبا سفيان خرج من مكّة فأتى جبرئيل وأخبر النبيّ صلى اللَّه عليه وآله أنّ أبا سفيان في مكان كذا وكذا فأخرجوا إليه واكتموا ، قال : فكتب إلى أبي سفيان رجل من المنافقين : إنّ محمّدا يريدكم فخذوا حذركم فأنزل اللَّه هذه الآية . وقيل : إنّ المنافقين يسمعون النبيّ من الشيء فيفشونه ، حتّى يبلغ المشركين . وقال الزهريّ والكلبيّ : نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر الأنصاريّ وذلك أنّ رسول اللَّه حاصر بني قريظة إحدى وعشرين ليلة فسألوا الصلح على ما صالح عليه إخوانهم بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم إلى أذرعات وأريحا من بلاد الشّام ، فأبى رسول اللَّه أن يعطيهم